في العمق موضوع الغلاف نهاية العالم كما نعرفه: تآكل 10 ركائز للنظام الدولي لـ العالم بالعربية منشور في 5 أغسطس، 2026 0 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr تحت عنوان «نهاية العالم كما نعرفه»، خصصت مجلة فورين بوليسي ملف غلاف عدد صيف 2026 لعشر مقالات تحليلية تبحث في أفول أفكار ومؤسسات ظلت لعقود من ركائز النظام الدولي. يضم الملف إسهامات لكل من جوشوا لايفر، برانكو ميلانوفيتش، ناتالي توتشي، ليا أرونوفسكي، جيمس تراوب، ليندا كينستلر، أنطون ييغر، جيمس بالمر، روزا بروكس، وجوناثان وايت. لا يزعم الملف أن العالم ينتهي فعلا، بل يرى أن منظومة كاملة من القواعد والتصورات تتآكل بصمت: التحالف الأمريكي الإسرائيلي، والنيوليبرالية، والعلاقات العابرة الأطلسي، وسياسات المناخ، والأمم المتحدة، وحق اللجوء، والأحزاب السياسية، والنمو الصيني، والقانون الدولي، بل وحتى فكرة المستقبل نفسها. نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي يرى جوشوا لايفر أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران قد تمثل ذروة التحالف بين البلدين، لكنها قد تكون أيضًا بداية أفوله. فالتنسيق العسكري بلغ مستوى غير مسبوق، إلا أن الركائز السياسية والاجتماعية التي حملت «العلاقة الخاصة» داخل الولايات المتحدة بدأت تتصدع. شبكات الضغط المؤيدة لإسرائيل لم تعد بالقوة نفسها، إذ تواجه اعتراضًا من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، ومن التيار الانعزالي داخل حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا». ويشير لايفر إلى تحول واضح في الرأي العام الأمريكي، مع تراجع نسبة من يرون دعم إسرائيل مصلحة قومية، وازدياد التعاطف مع الفلسطينيين. كما اتسعت الفجوة القيمية بين مجتمع أمريكي أكثر تنوعًا وأقل تدينًا، ومجتمع إسرائيلي أكثر محافظة وانغلاقًا. وقد سرعت حرب غزة، والحصار، والمجاعة، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية هذا التحول. وتهم هذه الخلاصة صناع القرار العرب لأنها تعني أن الدعم الأمريكي لإسرائيل قد لا يبقى ثابتًا بالصورة التي اعتادتها المنطقة، حتى لو بلغ التعاون العسكري بين الطرفين ذروته الراهنة. نهاية النيوليبرالية يشرح برانكو ميلانوفيتش أن النيوليبرالية قامت على فكرتين: الكوزموبوليتانية والمنافسة. وقد حققتا نموًا عالميًا هائلًا بين 1980 و2020، إذ تضاعف متوسط نصيب الفرد من الناتج العالمي، وتضاعف سكان العالم تقريبًا، ما أدى إلى تضاعف الإنتاج العالمي أربع مرات. لكن النجاح نفسه أضعف النظام. فحرية انتقال رأس المال والسلع والتكنولوجيا قللت قدرة الحكومات على حماية مجتمعاتها، بينما عمقت المنافسة التفاوت داخل الدول وأشعلت ردود فعل قومية وشعبوية. وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن نهاية النيوليبرالية تعني أن مرحلة التجارة المفتوحة والخصخصة والوصفات الاقتصادية الموحدة تتراجع لمصلحة سياسات صناعية وطنية، وحماية للأسواق، وربط الاقتصاد بالأمن القومي. وهذا يفرض على الدول العربية إعادة التفكير في علاقتها بالعولمة، وفي قدرتها على بناء إنتاج محلي بدل الاعتماد على التدفقات الخارجية وحدها. نهاية الرابطة العابرة للأطلسي تجادل ناتالي توتشي بأن العابرة للأطلسي، بوصفها عقيدة سياسية وقيمية تربط الولايات المتحدة بأوروبا، قد انتهت، حتى لو استمرت العلاقات الأمنية والاقتصادية. فقد نشأت هذه الرابطة في ظل قيادة أمريكية ليبرالية، ونظام دولي يقوم على الديمقراطية والتعاون والمؤسسات والقانون. لكن هذه البيئة اختفت مع الأزمات المتلاحقة، من هجمات 11 سبتمبر والأزمة المالية إلى جائحة كورونا وحروب أوروبا والشرق الأوسط وعودة دونالد ترامب. وتكمن أهمية ذلك للشرق الأوسط في أن أوروبا لم تعد قادرة على افتراض انسجام دائم مع واشنطن. وقد يفتح هذا التباعد مجالًا أوسع أمام الدول العربية لتنويع علاقاتها مع العواصم الأوروبية، لكنه قد يضعف أيضًا التنسيق الغربي في ملفات الأمن والطاقة والهجرة وإيران وفلسطين. نهاية سياسات المناخ ترى ليا أرونوفسكي أن سياسة المناخ المبنية على الأهداف الدولية وخفض الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية فقدت زخمها. فالحكومات والبنوك والشركات الغربية تتراجع عن التزاماتها السابقة تحت ضغط المنافسة الاقتصادية والرفض السياسي، فيما تخفف أوروبا بعض قيودها المناخية، وتوسع دول أخرى مشروعات الغاز والنفط. في المقابل، تقدمت الصين عمليًا لتصبح القوة الأولى عالميًا في الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية. وتخلص المقالة إلى أن الغرب انشغل بصياغة الأهداف والمؤتمرات، بينما بنت بكين الصناعة الفعلية للطاقة النظيفة. وهذه نتيجة شديدة الصلة بالدول العربية، خصوصًا المصدرة للطاقة: فانتقال الطاقة لن يختفي، لكنه يتحول من مشروع أخلاقي غربي إلى سباق صناعي وجيوسياسي تقوده الصين. وبذلك يصبح التحدي العربي مزدوجًا: الحفاظ على عائدات الهيدروكربونات، وبناء موقع حقيقي في سلاسل الطاقة الجديدة. نهاية الأمم المتحدة يؤكد جيمس تراوب أن الأمم المتحدة قد لا تموت رسميًا، لكنها فقدت قدرًا كبيرًا من فعاليتها. ويستشهد بعجز مجلس الأمن أمام الحروب الكبرى، وبقبوله خطة أمريكية لإنهاء حرب غزة منحت الشرعية لهيئة بديلة صاغها ترامب، من دون دور فلسطيني مؤثر أو حل طويل الأجل مقبول. ويصف تراوب هذا الوضع بأنه علامة على تراجع المنظمة من فاعل سياسي إلى ختم شرعية تمنحه القوى الكبرى للمبادرات التي تصوغها خارجها. ومع ذلك، تبقى الأمم المتحدة ضرورية للدول الفقيرة وللعمل الإنساني والتنمية وحفظ السلام. بالنسبة إلى العالم العربي، فإن ضعف المنظمة يحد من قدرة القانون الدولي على حماية الفلسطينيين أو كبح الحروب، ويجعل تسويات الأزمات أكثر اعتمادًا على موازين القوة والصفقات التي تقودها الدول الكبرى. نهاية حق اللجوء توضح ليندا كينستلر أن حق اللجوء، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لحماية الفارين من الاضطهاد، يتعرض لتفكيك منظم في دول الشمال العالمي. وقد بدأت إدارة ترامب ولايتها الثانية بمنع طالبي اللجوء عند الحدود الجنوبية، حتى إن كانوا معرضين للتعذيب أو الاضطهاد. ولا يقتصر التراجع على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى أوروبا وغيرها، حيث تُغلق الحدود وتُشدد الإجراءات وتُضعف ضمانات عدم الإعادة القسرية. وهذه المسألة تمس المنطقة العربية مباشرة، باعتبارها من أكبر مناطق إنتاج اللاجئين واستضافتهم. فإذا تقلص حق اللجوء عالميًا، ستبقى أعباء النزوح محصورة بدرجة أكبر في دول الجوار، مثل الأردن ولبنان ومصر وتركيا، بينما تتنصل الدول الغنية من مسؤولياتها. نهاية الأحزاب السياسية يرى أنطون ييغر أن الأحزاب لم تختفِ من بطاقات الاقتراع، لكنها فقدت طبيعتها التقليدية بوصفها مؤسسات تربط المجتمع بالدولة، وتضم أعضاء وتنظم مصالح وتنتج قيادات وبرامج طويلة المدى. وحلت محلها كيانات رقمية، وحركات قصيرة العمر، وأحزاب تدور حول شخص واحد. وتهم هذه النتيجة المنطقة العربية لأن تراجع الأحزاب التقليدية في الديمقراطيات الغربية يعني مزيدًا من تقلب السياسات الخارجية، وصعود قرارات ترتبط بشخص الزعيم أكثر من ارتباطها بمؤسسات مستقرة. وهذا يزيد صعوبة بناء شراكات طويلة المدى مع حكومات قد تتغير توجهاتها جذريًا بتغير القيادة أو المزاج الشعبي. نهاية النمو الصيني يشرح جيمس بالمر أن الصين انتقلت من عقود النمو الذي تجاوز أحيانًا 10% إلى مرحلة تخفض فيها بكين توقعاتها إلى نحو 4.5 أو 5%. ولا يمثل ذلك انهيارًا اقتصاديًا، لكنه ينهي عصرًا كاملًا بُنيت فيه طموحات الأفراد والشركات والدولة على افتراض استمرار الصعود السريع. وقد غيّر النمو الصين من دولة فقيرة إلى منافس للولايات المتحدة، لكنه خلق كذلك ديونًا وتوقعات اجتماعية واستثمارات عقارية وصناعية يصعب الحفاظ عليها. وللدول العربية، يعني تباطؤ الصين احتمال تراجع بعض الطلب على النفط والمواد الخام، وزيادة حذر بكين في التمويل والاستثمار، مع استمرار حاجتها إلى أسواق وممرات استراتيجية. ولذلك لن تختفي الصين من المنطقة، لكن علاقاتها قد تصبح أكثر انتقائية وأقل سخاء. نهاية الأخلاق والقانون الدولي تقول روزا بروكس إن القوى الكبرى كانت في الماضي تنتهك القانون الدولي، لكنها تشعر بالحاجة إلى تبرير انتهاكاتها بلغة الدفاع عن النفس أو الضرورة. أما اليوم، فقد أخذت تتخلى حتى عن هذا الادعاء. ويقدم ترامب القوة باعتبارها القانون الحقيقي، ويتحدث بوتين عن المصير الروسي، وترفض الصين الأحكام الدولية التي تتعارض مع مصالحها. المفارقة التي تطرحها بروكس هي أن النفاق القديم كان أفضل من الصراحة الحالية، لأنه كان يعكس إقرارًا بأن للقانون قيمة أخلاقية وسياسية. أما تلاشي هذا الإقرار فينذر بعالم تصبح فيه القوة وحدها معيار الشرعية. وهذه أخطر خلاصات الملف على الشرق الأوسط، حيث تتعرض دول المنطقة مرارًا للحروب والاحتلالات والتدخلات، وتعتمد الدول الصغيرة والمتوسطة على القانون الدولي لتعويض اختلال القوة. نهاية المستقبل يختتم جوناثان وايت الملف بفكرة أن السياسة فقدت قدرتها على تخيل المستقبل. فقد كانت الأحزاب والحركات في القرنين التاسع عشر والعشرين تقدم مشروعات طويلة الأمد وتحشد الناس حول صورة لمجتمع أفضل. أما اليوم، فقد حلت إدارة الأزمات والحنين إلى الماضي محل الرؤية المستقبلية. ويلاحظ وايت أن وادي السيليكون أصبح المجال الوحيد الذي لا يزال يتحدث بحماسة عن المستقبل، لكن هذه الرؤية تصوغها الشركات والتكنولوجيا بعيدًا عن الرقابة الديمقراطية. وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فإن هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تترك الحكومات مستقبل الذكاء الاصطناعي والطاقة والمدن والتعليم للشركات العالمية، أم تبني رؤى وطنية تربط التكنولوجيا بالمصلحة العامة؟ الخلاصة لا يعلن ملف فوريسي بوليسي نهاية العالم، بل نهاية حقبة اتسمت بقدر من الثبات المؤسسي والفكري. ولصانع القرار في الشرق الأوسط، تكمن الرسالة الأساسية في أن الضمانات القديمة تتلاشى معًا: التحالفات لم تعد دائمة، والقانون الدولي يضعف، والأمم المتحدة تفقد تأثيرها، والغرب يتراجع عن بعض التزاماته، والصين تدخل مرحلة نمو أبطأ، والهجرة والمناخ والطاقة تتحول إلى أدوات تنافس قومي. في هذا العالم، لا يكفي الاعتماد على مظلة أمريكية، أو سوق صينية، أو شرعية أممية، أو وعود أوروبية. المطلوب هو تنويع الشراكات، وبناء قدرة اقتصادية وتقنية داخلية، والاستعداد لتقلبات التحالفات، والتعامل مع النظام الدولي بوصفه فضاءً أكثر خشونة وأقل قابلية للتنبؤ.