رصد «العالم بالعربية» لما نشرته مراكز الأبحاث العالمية عن الشرق الأوسط بين 10 و16 أكتوبر 2026 ماذا يحدث عندما تتمكن دولة من إلحاق خسائر عسكرية كبيرة بخصمها، لكنها تعجز عن إنهاء التهديد الذي يمثله؟ هذا السؤال، الذي يبدو عسكريًا في ظاهره، كان مدخلًا لفهم جانب مهم من النقاشات البحثية حول الشرق الأوسط خلال الأسبوع. فالولايات المتحدة تواجه صعوبة في تحويل تفوقها العسكري على إيران إلى تسوية مستقرة، والسعودية تخشى العودة إلى حرب استنزاف في اليمن، بينما تتساءل تحليلات إسرائيلية عن جدوى القوة العسكرية إذا انتهت إلى عزلة سياسية أو إلى وضع أمني يستدعي حربًا متواصلة. غير أن المأزق لا يقتصر على جبهات الحرب. فالاضطراب في مضيق هرمز يدفع الدول إلى البحث عن طرق بديلة للتجارة والطاقة، لكن المشروعات الكبرى تصطدم بدورها بالحدود السياسية والجغرافية والبنية التحتية غير المكتملة. وفي غزة، لا تعني نهاية مرحلة من الحرب أن إعادة الإعمار أصبحت ممكنة، كما لا يضمن تراجع القدرات المسلحة في لبنان زوال الشبكات التي تعيد إنتاجها. واللافت أن بعض القراءات الأكثر أهمية لم تأت من المؤسسات الأكثر انشغالًا بالتطورات العسكرية اليومية، بل من أبحاث تناولت قدرة الدول على تحمل الصدمات الاقتصادية، وموقع الحروب في العقائد الأمنية، والتغير الذي أحدثته غزة في حسابات دولة بعيدة نسبيًا عن ساحة الصراع، هي باكستان. وتقدم هذه القراءات مجتمعة صورة لمنطقة باتت فيها القدرة على الاستمرار بعد تلقي ضربة لا تقل أهمية عن القدرة على توجيه ضربة مضادة. إيران.. القدرة على الإيذاء لا تعني القدرة على الانتصار في 16 أكتوبر، طرح مايكل فرومان، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، في تحليله «انتصار الحرب غير المتكافئة في إيران» سؤالًا يتجاوز حصيلة العمليات العسكرية: ماذا يعني التفوق إذا ظل الطرف الأضعف قادرًا على فرض تكاليف باهظة على خصمه وعلى الاقتصاد العالمي؟ يرى فرومان أن إضعاف القوات التقليدية الإيرانية لا ينهي قدرة طهران على استخدام مضيق هرمز وسيلة للضغط. فتهديد السفن، أو فرض مخاطر متقطعة على الملاحة، يستطيع التأثير في قرارات شركات الشحن وأسواق الطاقة حتى دون إغلاق كامل ودائم للمضيق. وبذلك لا تحتاج إيران إلى مضاهاة البحرية الأمريكية لكي تجعل استمرار الحرب مكلفًا. لا يقدم الباحث هذه النتيجة بوصفها انتصارًا إيرانيًا شاملًا؛ إذ يقر بالخسائر العسكرية والاقتصادية التي تكبدتها طهران. وإنما ينبه إلى اختلاف معيار النجاح لدى الطرفين: الولايات المتحدة تقيس جانبًا من نتائج الحرب بتدمير القدرات، بينما تستطيع إيران قياس قدرتها على الصمود بمقدار ما تمنعه من عودة الاستقرار الاقتصادي والأمني. وتقترب هذه الحجة من الأسئلة التي طرحها مركز الجزيرة للدراسات في تقدير موقف أصدره يوم 15 أكتوبر بعنوان «بين تجدُّد المواجهة والتسوية التفاوضية: مصير حرب كان يُفتَرض ألا تستمر طويلًا». لكن التقدير ينقل النقاش من الاقتصاد إلى الخيارات السياسية. فهو يرى أن استئناف القصف أو توسيع العمليات العسكرية لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية الأمريكية، بينما يفتح التدخل البري احتمالات أعلى تكلفة، وتستلزم التسوية التفاوضية قبول تنازلات يصعب تسويقها باعتبارها نصرًا حاسمًا. والفرق مهم بين القراءتين. ففرومان يركز على عدم التكافؤ بين القوة العسكرية والقدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي، بينما يركز تقدير مركز الجزيرة على مأزق الانتقال من العمليات العسكرية إلى ترتيب سياسي لإنهاء الحرب. والنتيجة المشتركة أن تكلفة مواصلة القتال قد تصبح، في مرحلة معينة، منفصلة عن مقدار التقدم العسكري المحقق. المفاوضات.. لماذا لا يكفي استئناف الاتصال؟ أضاف رحيم فرزام وإمينة غوزده بيرقدار أوغلو، من مركز الدراسات الإيرانية التركي «إيرام»، تفصيلًا دبلوماسيًا لهذه المعضلة في تحليل نُشر يوم 14 أكتوبر بعنوان «اتصالات أمريكية إيرانية جديدة.. مأزق التفاوض ومستقبل الحرب». يتتبع الباحثان الاتصالات غير المباشرة التي جرت بوساطة قطرية، ومقترحات إعادة فتح مضيق هرمز، والعقبات التي اعترضت محاولات تقريب مواقف واشنطن وطهران. وتكشف القراءة أن استئناف التواصل لا يعني بالضرورة اقتراب الاتفاق؛ فكل طرف يحاول استخدام الضغوط العسكرية والاقتصادية لتحسين شروط التفاوض، بينما يخشى أن يتحول التنازل المبكر إلى اعتراف بفشل أهدافه. وتنبع قيمة هذا التحليل من تفريقه بين وجود قناة دبلوماسية وإمكان الوصول إلى تسوية قابلة للتنفيذ. فقد تستمر المفاوضات خلال التصعيد، لكن ذلك لا يجعل نجاحها نتيجة تلقائية. ومن زاوية السياسة الأمريكية الداخلية، تساءل بارين كايا أوغلو، في تحليل نشره المركز التركي نفسه يوم 13 أكتوبر بعنوان «هل تتحول الانتخابات النصفية إلى نقطة انعطاف في سياسة ترامب تجاه إيران؟»، عن أثر الحسابات الانتخابية في خيارات الإدارة الأمريكية. وهنا يدخل عامل جديد إلى المعادلة: فقد تصبح كلفة استمرار الحرب داخليًا عنصرًا في قرار التصعيد أو التسوية، إلى جانب موازين القوة على الأرض. داخل إيران.. مراجعة معنى النصر ثمة زاوية أخرى لا تقل أهمية ظهرت في تحليل لراز تسيمت، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، بعنوان «كيف تُنهى الحرب؟ باحثون إيرانيون يراجعون الافتراضات الاستراتيجية لطهران». يتناول تسيمت نقاشًا بين باحثين إيرانيين استعادوا تجربة إنهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، وما كشفته من صعوبة التوفيق بين الأهداف الثورية والاعتبارات العسكرية والاقتصادية. ووفق عرضه، حذر المشاركون في النقاش من المبالغة في تقدير القدرات، وتأخير الاستفادة من الفرص الدبلوماسية، وصعوبة وضع أهداف سياسية قابلة للتحقق. وهنا يجب التمييز بين المستويات الثلاثة للإسناد: فهذه آراء باحثين إيرانيين كما عرضها وفسرها باحث إسرائيلي، وليست إعلانًا عن تحول رسمي في استراتيجية الدولة الإيرانية. لكنها تطرح سؤالًا مهمًا: إذا كانت القدرة على مواصلة الحرب دليلًا على الصمود، فمتى يصبح الاستمرار نفسه عبئًا على الأهداف التي بدأت الحرب من أجلها؟ هرمز.. البدائل الاقتصادية تصطدم بالخرائط السياسية لم تقتصر مناقشة اضطراب مضيق هرمز على الجوانب العسكرية. فقد نقلت أبحاث الأسبوع القضية إلى سؤال أكثر عملية: كيف تحافظ دول الخليج على تجارتها إذا أصبح الممر البحري الأكثر أهمية لها مصدرًا دائمًا للمخاطر؟ في 12 أكتوبر، نشر فولكر بيرتس، الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، ورقة بعنوان «الترابط والمسارات البديلة.. المشروعات الجيو-اقتصادية الكبرى في الخليج والشرق الأوسط». ينطلق بيرتس من أن الاضطراب الجيوسياسي في المنطقة قد يستمر مهما كانت نتيجة الحرب. ولذلك لا يكفي انتظار إعادة فتح الممرات البحرية؛ بل ينبغي التفكير في شبكات بديلة لنقل الطاقة والبضائع والمواد الخام والبيانات والأشخاص. وتستحق أطروحته الاهتمام لأنها لا تتعامل مع خطوط الأنابيب باعتبارها الحل الوحيد. فالممرات الاقتصادية الجديدة تحتاج إلى تكامل الطرق البرية والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات، كما تحتاج إلى اتفاقات سياسية وتنظيمية بين الدول التي تمر عبرها. ويضرب الباحث مثالًا بالممر الاقتصادي المقترح بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. فهذا المشروع، رغم أهميته المحتملة، لا يزال يواجه فجوات في البنية التحتية ومخاطر سياسية تجعل الإعلان عنه أسهل كثيرًا من تشغيله. السعودية.. تقدير تكلفة تغيير طرق الشحن اختبر تعليق بحثي نشره مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية «كابسارك» يوم 13 أكتوبر جانبًا محددًا من هذه المشكلة. ففي «تأثير إغلاق مضيق هرمز على إعادة توزيع الشحن في المملكة العربية السعودية»، استخدم إبراهيم شطناوي ولويس مارتينيز وسيف المطيري وعبد الرحمن الوشيل نموذجًا للنقل والطلب على الطاقة لمقارنة حركة الشحن في الظروف المعتادة بسيناريو إغلاق كامل للمضيق لمدة عام، باستخدام بيانات شبكة النقل والطلب لعام 2025. هذا التمييز أساسي: فالبحث يختبر سيناريو افتراضيًا للقياس والتخطيط، ولا يعرض جميع نتائجه باعتبارها وصفًا مباشرًا لما حدث خلال عام 2026. وتتمثل مساهمته في إظهار أن تحويل البضائع من منفذ إلى آخر لا يلغي كلفة التعطيل. فقد تتغير مسافات النقل، وأحمال الشبكات، وحاجة الموانئ إلى الاستيعاب، ومدى قدرة الطرق والسكك الحديدية على التعامل مع التحول المفاجئ في حركة السلع. وتلتقي الدراسة السعودية مع ورقة بيرتس الألمانية عند أهمية تنويع المسارات، لكنهما تعملان على مستويين مختلفين: الأولى تختبر شبكة نقل بعينها، والثانية تناقش الخريطة السياسية والاقتصادية للممرات الإقليمية الكبرى. وهذه نقطة مهمة لصانع القرار: وجود طريق بديل على الخريطة لا يعني أن له القدرة الفعلية على نقل التجارة التي تعطل مسارها الأصلي. أوروبا.. حماية الملاحة قبل أن تصبح الأزمة دائمة في 15 أكتوبر، تناول جوليان باولاك، من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، الوجه الدولي للمشكلة في تعليق بعنوان «الممرات البحرية في خطر والنظام البحري تحت التهديد». يناقش باولاك تداعيات التهديدات التي تتعرض لها حرية الملاحة، والحاجة إلى مقاربة أوروبية تتجاوز التعامل مع كل أزمة بحرية باعتبارها حادثًا أمنيًا منفصلًا. فالممرات البحرية ليست مجرد طرق للشحن يمكن الدفاع عنها بسفن حربية إضافية؛ إنها جزء من نظام اقتصادي وقانوني وسياسي تعتمد عليه التجارة الدولية. وعندما تصبح مخاطر العبور متكررة، تمتد آثارها إلى التأمين والاستثمار وسلاسل الإمداد والقرارات الصناعية. ويتضح هنا اختلاف الأولويات بين الباحثين: فبيرتس يبحث عن شبكات بديلة، وكابسارك يقيس أثر إعادة توجيه الشحن، وباولاك ينظر إلى حماية القواعد والممرات التي يفترض أن تعمل من خلالها التجارة العالمية. الخليج.. هل تضمن الثروة العسكرية قدرة مستقلة على الدفاع؟ طرحت ورقة أصدرها يوئيل غوزانسكي في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي سؤالًا يتصل مباشرة بالدروس الأمنية للحرب، وإن كان صادرًا من منظور بحثي إسرائيلي. في «مفارقة الثروة.. فاعلية الجيوش الخليجية على المحك»، يناقش غوزانسكي الفجوة بين الإنفاق الكبير على التسليح وبين القدرة على تشغيل منظومات عسكرية معقدة بصورة مستقلة ومستمرة. ويربط هذه الفجوة بعوامل تشمل نقص الكوادر البشرية المتخصصة، وصعوبات التنسيق بين الأفرع العسكرية، والاعتماد على الموردين والدعم الخارجي في الصيانة والخدمات والقدرات النوعية. لكن هذه الحجة لا تعني أن المشتريات الدفاعية الخليجية عديمة الجدوى، ولا أنها لم تحقق تقدمًا حقيقيًا. فالورقة تبحث أساسًا في الفرق بين امتلاك الأنظمة المتقدمة وبين القدرة المؤسسية على توظيفها عبر حرب طويلة ومتعددة الجبهات. وعند مقارنتها بأبحاث الممرات البديلة، تظهر مفارقة متشابهة في المجالين العسكري والاقتصادي: توافر المعدات أو البنية الأساسية لا يضمن المرونة المطلوبة عند وقوع الصدمة. والأهم أن تقييم القدرات الخليجية ينبغي ألا ينحصر في مدى خدمتها لترتيبات أمنية ترسمها قوى خارج المنطقة. فالسؤال المتعلق بالاعتماد على الدعم الأجنبي يتصل أيضًا باستقلال القرار، وقدرة الدول على تحديد أولوياتها الدفاعية وفق مصالحها الخاصة. اليمن.. مشكلة الردع التي تتجاوز الحدود السعودية مع تجدد الهجمات الحوثية واتساع القتال، عادت حرب اليمن إلى صدارة بعض التحليلات، لكنها عادت هذه المرة مرتبطة مباشرة بأمن الاقتصاد الخليجي. في 14 أكتوبر، كتبت سنم وكيل وفارع المسلمي، من تشاتام هاوس، تحليلًا بعنوان «حرب اليمن ليست مشكلة السعودية وحدها.. إنها مشكلة الخليج أيضًا». تقوم حجتهما على أن التعرض لهجمات محدودة نسبيًا يمكن أن يفرض تكاليف اقتصادية وأمنية كبيرة على دول تعتمد خططها التنموية على استقرار الطيران والتجارة والسياحة والاستثمار والبنية التحتية. لكن الباحثين لا يريان أن الاستجابة العسكرية المنفردة تقدم حلًا كافيًا. فالسعودية، وفق تقديرهما، لا تستطيع معالجة الأزمة دون رؤية سياسية يمنية وخليجية أشمل، ولا يمكن لدول مجلس التعاون أن تتعامل مع مستقبل اليمن باعتباره مسؤولية الرياض وحدها. وتمنح الورقة وزنًا خاصًا للخلافات السعودية الإماراتية بشأن جنوب اليمن، وترى أن تنسيق المواقف تجاه القوى اليمنية المحلية شرط لتطوير استراتيجية خليجية أكثر تماسكًا. كما تدعو إلى دور سياسي ودبلوماسي أوسع لكل من قطر وسلطنة عمان، وإلى دعم مؤسسات الحكم والخدمات، بدل الاكتفاء بترتيبات أمنية لا تغير أسباب الصراع. العودة إلى الحرب.. ما الذي تغير منذ التدخل الأول؟ في اليوم التالي، حذرت أليسون ماينور، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، في تحليل «تجنب حرب طويلة أخرى في اليمن»، من أن الضغوط الناجمة عن الهجمات الحوثية قد تدفع الرياض إلى استجابة تعيد إنتاج حرب الاستنزاف السابقة. تختلف ماينور عن وكيل والمسلمي في نقطة التركيز؛ فهي تنظر أساسًا إلى الخيارات المتاحة للسعودية، وإلى صعوبة تحويل الحملة العسكرية إلى نتيجة سياسية مستقرة في ظل الانقسامات بين القوى اليمنية المناهضة للحوثيين. والخطر الذي تشير إليه أن نجاح الضربات الجوية أو التقدم الميداني لا يكفي لتعويض ضعف المؤسسات الحكومية، ولا يحل تلقائيًا التنافس بين القوى التي يفترض أنها تعمل في معسكر واحد. ولا تنفي هذه القراءة ضرورة التعامل مع التهديدات العسكرية المباشرة، لكنها تشدد على أن الردع يحتاج إلى استراتيجية سياسية واضحة لما بعد العمليات، وإلى طرف يمني قادر على تحمل مسؤوليات الحكم والخدمات والأمن. وتكمل الورقتان إحداهما الأخرى: تشاتام هاوس يدعو إلى معالجة المعضلة على مستوى الخليج كله، بينما يحذر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أن توسيع الحرب دون إصلاح البيئة السياسية اليمنية قد يجعل الخروج منها أصعب. غزة.. تعطل الإعمار يكشف حدود الترتيبات السياسية في 15 أكتوبر، خصص معهد الشرق الأوسط حلقة بودكاست بحثية بعنوان «الجمود في غزة والضفة الغربية على شفا الانفجار» لمناقشة التعثر الذي تواجهه الترتيبات السياسية بعد الحرب. شارك في الحوار أليستير تايلور وماثيو تشيكاي والباحثة تهاني مصطفى، وتناولوا استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على مساحات من القطاع، وتعطل إعادة الإعمار، وعدم حسم مسألة سلاح حماس أو مستقبل الإدارة الفلسطينية. تكمن أهمية هذه المناقشة في رفض الفصل بين ثلاثة ملفات تبدو مستقلة في الخطاب السياسي: وقف القتال، وإعادة الإعمار، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الحياة اليومية. فإعادة الإعمار لا تبدأ بمجرد إعلان خطة دولية أو تخصيص موارد مالية؛ بل تحتاج إلى ضمانات أمنية وحرية حركة للمواد والعاملين، وإلى سلطة إدارية ومؤسسات تستطيع تقديم الخدمات وإدارة الأموال والمرافق. وفي الضفة الغربية، تضع الحلقة تصاعد اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني وأزمة السلطة الفلسطينية المالية ضمن السياق نفسه. فإذا كانت المؤسسات الفلسطينية تواجه صعوبات متزايدة في أداء وظائفها، فإن بناء ترتيبات مستقرة لغزة يصبح أكثر تعقيدًا. والنتيجة أن الجمود ليس مجرد تأخر فني في تنفيذ خطة، وإنما يعكس غياب اتفاق على الأسئلة السياسية والأمنية التي يجب حسمها قبل أن تتحول الخطة إلى واقع. داخل إسرائيل.. مراجعة جدوى «المقاومة المسلحة» كما يراها باحث إسرائيلي في تحليل أصدره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بعنوان «تراجع تصور حماس للنصر وتآكل خطاب المقاومة المسلحة»، يحاول كوبي ميخائيل تفسير التغيرات في الرأي العام الفلسطيني وفي تصورات النجاح والفشل بعد سنوات الحرب. يستند الباحث إلى استطلاعات وقراءات تتعلق بالمواقف الفلسطينية، ليطرح حجة مفادها أن استمرار المعاناة والدمار يضغط على التصور الذي يربط المقاومة المسلحة بتحقيق إنجاز سياسي. لكن استنتاجه لا ينبغي التعامل معه باعتباره وصفًا محايدًا وحاسمًا لموقف الفلسطينيين جميعًا؛ فهو قراءة باحث إسرائيلي لبيانات اجتماعية وسياسية، وتنبع توصياته من تصوره للبدائل المطلوبة لحكم حماس ولسياسات إسرائيل الأمنية. وعند وضعه إلى جانب نقاش معهد الشرق الأوسط، يظهر اختلاف في السؤال نفسه: يركز ميخائيل على مستقبل استراتيجية حماس وخيارات الفلسطينيين، بينما يعطي النقاش الآخر مساحة أكبر لمعضلات الاحتلال والحكم والإعمار واستمرار الأزمة في الضفة الغربية. ولا يكفي أي من المنظورين منفردًا لتفسير مستقبل القضية الفلسطينية، لكن المقارنة تكشف أثر اختيار نقطة البداية على الاستنتاجات التي يصل إليها الباحث. إسرائيل.. البحث عن عقيدة أمنية لا تنتج حربًا دائمة برزت في الإنتاج البحثي الإسرائيلي أيضًا أسئلة تتعلق بإسرائيل نفسها، لا بخصومها وحدهم. ففي ورقة بعنوان «مفهوم الأمن القومي الجديد.. محاولة للتحديد وأسئلة للنقاش»، يناقش تامير هايمان التحولات التي طرأت على التفكير الأمني الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023. يرى هايمان أن الممارسات الأمنية المتغيرة تستدعي صياغة أوضح للمفهوم الذي يحكم قرارات الدولة، بدل الاستمرار في التعامل مع العقيدة الأمنية القديمة باعتبارها كافية لتفسير كل ما يجري. وتنبع أهمية الورقة من التمييز بين امتلاك قوة عسكرية كبيرة وامتلاك تصور سياسي وأمني يحدد متى تستخدم هذه القوة، وما الأهداف التي يمكن تحقيقها، وما الأثمان التي ينبغي تجنبها. ويظهر سؤال مختلف، لكنه متصل، في ورقة بحثية عن «مكانة إسرائيل الدولية.. بين نزع الشرعية والانتقاد والمسؤولية الإسرائيلية»، للباحثة بنينا شرفيت باروخ. تتعامل الدراسة مع الشرعية الدولية باعتبارها أصلًا استراتيجيًا، لا مجرد مسألة علاقات عامة. كما ترفض الخلط بين الجهات التي تعارض وجود إسرائيل من حيث المبدأ والجهات التي تنتقد سياسات محددة، وترى أن بعض أسباب تدهور المكانة الدولية يرتبط بقرارات إسرائيلية ينبغي مراجعتها. والفارق بين الورقتين أن الأولى تسائل المفهوم الذي يحكم استخدام القوة، بينما تبحث الثانية في أثر سياسات الدولة على قدرتها على المحافظة على العلاقات الدولية والدعم الخارجي. لكن الخيط المشترك بينهما هو أن التفوق العسكري لا يضمن وحده أمنًا مستدامًا إذا اقترن بتآكل الشرعية السياسية أو بغياب تصور واضح لنهاية الصراع. التطبيع.. واشنطن تراهن على التوسع وباكستان تبتعد قدمت مؤسستان بحثيتان خلال الأسبوع تصورين مختلفين لمستقبل علاقات إسرائيل الإقليمية، وهو اختلاف يتجاوز الانتماء الجغرافي للمؤسستين إلى طبيعة التحولات التي ترصدها كل منهما. في 14 أكتوبر، نشر آشر فريدمان، من مؤسسة هيريتيج الأمريكية، ورقة سياسات بعنوان «دفع اتفاقات أبراهام 2.0.. أجندة للكونغرس الأمريكي». تقترح الورقة استخدام أدوات السياسة الأمريكية لتوسيع التعاون الإقليمي المرتبط باتفاقات التطبيع، بما يشمل الممرات الاقتصادية والتكنولوجيا والشراكات الأمنية والتواصل بين المجتمعات. وتعكس هذه الأجندة رهانًا على أن التعاون الاقتصادي والتقني والأمني يمكن أن يحافظ على العلاقات القائمة ويفتح مجالًا لتوسيعها، رغم الصراعات التي شهدتها المنطقة. لكن موجزًا بحثيًا نشره عمر كريم في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية «إيفري» يوم 16 أكتوبر، بعنوان «باكستان والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. تحولات الموقف بعد حرب غزة»، يكشف عن قيود اجتماعية وسياسية على هذا الافتراض. فوفق العرض الرسمي للموجز، حافظت باكستان تاريخيًا على دعم علني للقضية الفلسطينية، مع وجود اتصالات محدودة وغير معلنة مع إسرائيل. لكن حرب غزة جعلت التوفيق بين الاتجاهين أكثر صعوبة، مع تصاعد المعارضة المجتمعية للتطبيع وتزايد حساسية الخيارات الحكومية. ويشير الباحث أيضًا إلى أثر التحالفات الجديدة والعلاقات الأمنية بين باكستان وتركيا والسعودية، في مقابل تقارب إسرائيل والهند، في إعادة تشكيل الحسابات الباكستانية. ولا يعني ذلك أن ورقة هيريتيج والموجز الفرنسي يدرسان المسألة نفسها أو يصدران توصيات متعارضة مباشرة. فالأولى تقدم برنامجًا سياسيًا أمريكيًا لدعم التطبيع، بينما يفسر الثاني تطورًا في موقف دولة غير عربية تجاه إسرائيل. لكن جمعهما يكشف مفارقة مهمة: المشروعات التي تبدو قابلة للتوسيع من منظور السياسات الأمريكية قد تواجه حدودًا اجتماعية وتحالفية متزايدة في دول أخرى. الأردن.. الحماية العسكرية ومخاطر الانكشاف في 15 أكتوبر، نشر علي حجازي، من مركز الجزيرة للدراسات، تحليلًا بعنوان «الأردن في الحرب الإقليمية: حدود الدور ومقتضيات الموضع». يناقش حجازي التحدي الذي يواجه الأردن في التوفيق بين علاقاته الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة وبين تجنب التحول إلى ساحة من ساحات الحرب الإقليمية. فالبنية العسكرية والتعاون الأمني اللذان يوفران وسائل للحماية قد يجعلان الأراضي الأردنية، في المقابل، موضع تهديد لدى الأطراف التي تنظر إلى الوجود الأمريكي باعتباره جزءًا من المواجهة معها. لكن الباحث لا يحصر المخاطر في إيران. إذ يتناول كذلك التطورات في الضفة الغربية، واحتمالات الضم والتهجير، والتحولات في جنوب سوريا، باعتبارها مسائل تتصل مباشرة بالأمن الوطني الأردني على المدى الطويل. وتضيف هذه القراءة بعدًا إلى النقاش الخليجي حول الاعتماد على الحماية الخارجية. فالسؤال لا يقتصر على كفاءة المنظومات الدفاعية، وإنما يمتد إلى حرية القرار السياسي وقدرة الدولة على منع انتقال صراعات الآخرين إلى أراضيها. لبنان.. تفكيك السلاح أصعب من ضبط شحنة في 16 أكتوبر، نشر ديفيد داود وأحمد شرعاوي، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية، موجز سياسات بعنوان «لبنان يلغي ترخيص بنك صادرات.. لكن شبكة حزب الله المالية باقية». يناقش الباحثان قرار إلغاء ترخيص المصرف الإيراني في لبنان، ويعتبران أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة شبكات التمويل المرتبطة بحزب الله. وتقوم حجتهما على أن القدرة على إعادة تكوين الموارد لا تتوقف بالضرورة على مؤسسة مالية واحدة؛ فقد تستمر عبر قنوات وشبكات أخرى، ما يجعل فعالية الإجراءات مرتبطة بقدرة الدولة على تطبيق قواعد الرقابة والإنفاذ على نطاق أوسع. ويكتمل هذا النقاش بموجز آخر نشره الباحثان خلال الأسبوع بعنوان «مصادرة الأسلحة بصورة متفرقة لن توقف إعادة تسليح حزب الله»، يناقشان فيه تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية اللبنانية وحدود الاكتفاء بضبط شحنات منفردة. وهذه قراءة تنطلق من مؤسسة أمريكية ذات توجهات أمنية وسياسية معلنة، ولذلك ينبغي نسبتها إلى الباحثين وعدم تحويل استنتاجاتها إلى حكم موضوعي نهائي بشأن جميع المؤسسات اللبنانية. ومع ذلك، فإن السؤال الذي تطرحه مهم: هل تستطيع الدولة تحقيق احتكار مستدام للسلاح والموارد المرتبطة به، أم تكتفي بإجراءات متفرقة تخفض بعض القدرات دون تغيير البنية التي تسمح بإعادة بنائها؟ غاز شرق المتوسط.. مورد اقتصادي محاصر بالخلافات السياسية بعيدًا عن مضيق هرمز، نشر معهد الشرق الأوسط في 15 أكتوبر ورقة خلفية بعنوان «غاز شرق المتوسط». تراجع الورقة تطور اكتشافات الغاز البحرية وأثرها على موقع إسرائيل ومصر وقبرص في أسواق الطاقة، إلى جانب التحديات التي تواجه استغلال الحقول ونقل الإنتاج وتطوير البنية التحتية. وتكشف هذه القضية جانبًا مختلفًا من العلاقة بين الطاقة والسياسة. ففي الخليج، يدور النقاش حول حماية طرق تصدير موارد منتجة بالفعل؛ أما في شرق المتوسط، فيتعلق جانب مهم من المشكلة بقدرة الدول على تحويل الاكتشافات إلى مشروعات تجارية قابلة للتنفيذ. فهناك اعتبارات تتعلق بالطلب والاستثمار والأسعار والبنية الأساسية، وأخرى تتصل بالخلافات البحرية والسياسية وترتيبات التصدير. وتؤكد الورقة، عند قراءتها مع الدراسات الخاصة بهرمز، أن أمن الطاقة لا يختزل في حماية ناقلات النفط والغاز. فهو يبدأ أيضًا من إمكانية الاستثمار والإنتاج والتعاقد والتعاون عبر الحدود. من كان في قلب الاهتمام؟ تظهر في الإصدارات التي شكلت المحاور الرئيسية أربع قضايا كبرى. إيران والحرب الأمريكية الإيرانية شكلتا أحد أكثر الملفات قدرة على الربط بين قضايا الأسبوع. فالنقاش لم يتوقف عند التصعيد العسكري، وإنما امتد إلى التفاوض والاقتصاد العالمي والخيارات الداخلية الأمريكية والإيرانية. أمن الخليج واليمن حضرا بوصفهما قضية واحدة ذات مستويين: مواجهة تهديدات عسكرية مباشرة، والمحافظة على بيئة اقتصادية وسياسية تسمح بمواصلة خطط التنمية والتجارة. القضية الفلسطينية وإسرائيل ظهرتا من خلال أسئلة الإعمار ومستقبل الحكم والاحتلال، وفي الوقت نفسه من خلال مراجعات إسرائيلية للعقيدة الأمنية والمكانة الدولية، وقراءات لتأثير غزة في مستقبل التطبيع. الممرات والطاقة والبنية التحتية برزت باعتبارها أدوات استراتيجية وليست ملفات اقتصادية ثانوية. وتكشف أبحاث هذا المجال أن الصراع على الطرق وشبكات النقل قد يستمر حتى بعد توقف العمليات العسكرية. هذه قراءة نوعية لبروز القضايا في الإصدارات المختارة، وليست ترتيبًا إحصائيًا لجميع منشورات المؤسسات البحثية حول العالم. اتجاهات المواقف رصد التقرير ثلاثة اتجاهات بحثية واضحة. الاتجاه الأول.. ضرورة ربط القوة العسكرية بنهاية سياسية قابلة للتحقق. يظهر في تحليل مجلس العلاقات الخارجية وتقدير مركز الجزيرة بشأن إيران، وفي تحليلات تشاتام هاوس ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن اليمن. ولا يعني تقارب النتائج اتفاق المؤسسات على المسؤولية عن الحرب أو شروط إنهائها. الاتجاه الثاني.. تنويع أدوات الأمن والمرونة الاقتصادية. تؤكد الدراسات الألمانية والسعودية أهمية المسارات البديلة، وتثير الورقة الإسرائيلية عن الجيوش الخليجية سؤال القدرة على تشغيل المنظومات الدفاعية بصورة مستقلة. وهنا تتقاطع أهمية البنية المادية مع أهمية الكفاءة المؤسسية. الاتجاه الثالث.. التشكيك في كفاية الترتيبات القائمة لإنتاج الاستقرار. يظهر في مناقشات غزة، وفي مراجعات بعض الباحثين الإسرائيليين للعقيدة الأمنية والشرعية الدولية، وفي التحليلات المتعلقة بالأردن ولبنان. ولا يصلح أي اتجاه من هذه الاتجاهات لتوصيف جميع الباحثين أو المؤسسات بوصفهم أصحاب موقف موحد. اختلاف العدسات.. هل المشكلة في نقص القوة أم في تعريف الهدف؟ يتجلى الاختلاف الأوضح في تفسير نتائج الحرب الأمريكية الإيرانية. فمجلس العلاقات الخارجية ينظر إلى التفاوت بين التفوق العسكري الأمريكي والقدرة الإيرانية على تعطيل الاقتصاد العالمي، بينما يناقش مركز الجزيرة حدود الخيارات السياسية لإنهاء الحرب، ويحلل مركز الدراسات الإيرانية التركي فرص التفاوض وحسابات الأطراف، فيما يقدم باحث إسرائيلي قراءة لنقد باحثين إيرانيين افتراضات إدارة الحرب. وليست هذه الاختلافات مجرد تنوع في جنسيات المؤسسات؛ بل هي اختلاف في الأسئلة والأدوات ومقاييس النجاح. ويظهر تباين آخر في مستقبل التطبيع. فمؤسسة هيريتيج تتناول توسيع الاتفاقات باعتباره هدفًا للسياسة الأمريكية، بينما يفسر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية تعقيدات الموقف الباكستاني في ضوء حرب غزة والتحالفات الجديدة. وفي اليمن، لا يختلف تشاتام هاوس ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية على خطورة الحرب الطويلة، لكن الأول يركز على الحاجة إلى استراتيجية خليجية مشتركة، بينما يركز الثاني على قدرة السعودية على تجنب تكرار مأزق التدخل السابق. على شاشة الرادار تستحق خمسة مسارات متابعة خاصة في الأسبوع المقبل: المفاوضات الأمريكية الإيرانية: هل تتحول الاتصالات غير المباشرة إلى تفاهم بشأن الملاحة والتصعيد، أم تبقى وسيلة لإدارة الصراع دون إنهائه؟ الخيارات السعودية في اليمن: هل تقود العمليات العسكرية والضغوط الخليجية إلى مسار سياسي، أم تتسع الحرب وتتعمق الانقسامات اليمنية؟ الممرات البديلة: هل تنتقل مشروعات النقل والربط الإقليمي من التصورات الكبرى إلى ترتيبات قابلة للتمويل والتشغيل؟ الضفة الغربية وغزة: هل تتقدم أي ترتيبات عملية للإعمار والحكم، أم تستمر الفجوة بين المبادرات السياسية والواقع الميداني؟ إسرائيل قبل الانتخابات: هل يصبح الجدل بشأن الأمن والشرعية الدولية والخيارات السياسية جزءًا مؤثرًا من النقاش الانتخابي الداخلي؟ رُصد أيضًا مركز دراسات الشرق الأوسط التركي «أورسام»، سلجوق باجالان: «عرض حقيبة وزارية على تركمان العراق ومستقبل مكاسبهم السياسية في كركوك»، تحليل، 10 أكتوبر 2026. يبحث في العلاقة بين التمثيل الوزاري المحتمل للتركمان وموازين النفوذ المحلي في كركوك. المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تمار هيرمان وليئور يوهاناني ويارون كابلان: «استطلاع صوت إسرائيل.. سبتمبر 2026»، استطلاع رأي منشور في 13 أكتوبر 2026. يقدم مؤشرات على اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي والفروق بين مجموعاته، مع ضرورة التمييز بين شهر الاستطلاع وتاريخ نشر نتائجه. ما الذي بقي في الظل؟ أظهرت القراءات المختارة حضورًا قويًا لأسئلة الأمن والدفاع والتجارة، مقابل مساحة أقل لمناقشة آثار هذه الأزمات في المجتمعات المحلية. ففي اليمن، تناولت التحليلات الخيارات العسكرية والسياسية السعودية والخليجية بتفصيل أكبر من تناولها احتياجات السكان في مناطق القتال، أو قدرة المؤسسات المحلية على استعادة الخدمات والتعليم والرعاية الصحية. وفي غزة، بقي السؤال المتعلق بكيفية إدارة الإعمار حاضرًا، لكن تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين والضرر طويل الأمد الذي لحق بالتعليم والصحة والبنية الاجتماعية تستحق مساحة بحثية أوسع. وفي إيران، ركزت دراسات الحرب على الردع والتفاوض وهرمز، بينما بدت كلفة الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي على المواطنين أقل حضورًا في المواد المحورية. أما مشروعات الممرات التجارية، فقد نوقشت غالبًا من منظور قدرتها على خدمة التجارة الكبرى وأمن الإمدادات، لا من منظور آثارها على المجتمعات والأقاليم التي تمر عبرها. وتشير هذه الفجوات إلى أسئلة جديرة بالمتابعة، دون أن يعني غيابها النسبي من الإصدارات المختارة أنها غائبة عن مجمل الإنتاج البحثي خلال الأسبوع. الخاتمة.. المنطقة التي لا يكفي فيها الانتصار تقدم أبحاث الأسبوع صورة لشرق أوسط تتزايد فيه الفجوة بين القدرة على استخدام القوة والقدرة على بناء نتيجة مستقرة بعدها. فالولايات المتحدة تستطيع إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية دون إنهاء تهديد الملاحة، والسعودية تستطيع الرد على الحوثيين دون ضمان تسوية يمنية، وإسرائيل تستطيع المحافظة على تفوق عسكري واسع بينما تواجه أسئلة متصاعدة بشأن خياراتها السياسية ومكانتها الدولية. وفي الوقت نفسه، تحاول الدول حماية اقتصاداتها من نتائج الصراع عبر طرق نقل بديلة، ومشروعات طاقة، وتحالفات جديدة. لكن نجاح هذه البدائل يعتمد على عوامل سياسية ومؤسسية لا تقل تعقيدًا عن التهديدات التي صُممت لمواجهتها. والنتيجة التي تربط خيوط هذا الأسبوع أن الاستقرار ليس امتدادًا تلقائيًا للتفوق العسكري، كما أن البدائل الاقتصادية لا تعمل بمجرد إعلانها. ففي الحالتين، يتوقف النجاح على وجود أهداف واضحة ومؤسسات قادرة وتسويات يمكن للأطراف المعنية تحملها. وهذا هو السؤال الذي تحمله المنطقة إلى الأسبوع التالي: ليس من يستطيع مواصلة المواجهة فحسب، بل من يمتلك تصورًا قابلًا للتنفيذ لما بعدها. عن منهجية الرصد: يراجع «العالم بالعربية» أسبوعيًا شبكة واسعة من مراكز الأبحاث والمؤسسات البحثية الإقليمية والدولية، مع بحث إضافي متعدد اللغات خارج القائمة المرجعية. ويُختار ما يدخل التقرير وفق عمق الإصدار وصلته وأهميته، لا وفق شهرة المركز أو لغته، مع استخدام النسخة العربية الرسمية للمادة نفسها متى كانت متاحة. اطلع على منهجية الرصد وقائمة المصادر كاملة.