سيطرة الحوثيين على مضيق حيوي ومهاجمة السعودية.. ماذا يعني ذلك للولايات المتحدة؟

يشرح ستيفن كوك*، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية، ما يكشفه استعانة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مباشرة بالرئيس دونالد ترامب عن العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، والتحديات الجديدة التي قد تواجهها واشنطن مع إحكام الحوثيين السيطرة على مضيق باب المندب.

شنّ الحوثيون، السبت، هجومًا على الرياض، للمرة الأولى منذ تصاعد التوتر خلال الصيف. كما أعلنوا استهداف منشآت أرامكو في ينبع، الميناء السعودي، ويبدو أنهم سيطروا على مواقع استراتيجية على الساحل اليمني تكتسب أهمية حاسمة في التحكم بمضيق باب المندب.

وشكّل الممر المائي الضيق عند مدخل البحر الأحمر شريانًا حيويًا للسعودية، التي حوّلت مسار ملايين البراميل من النفط يوميًا عبر مضيق باب المندب بعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز. وقد أوقف الحوثيون تدفق النفط السعودي عبر هذا الممر البحري الحيوي في البحر الأحمر، لكن الجماعة تعهدت بعدم استهداف السفن الأمريكية العابرة فيه.

اختبرت هذه التطورات عزم واشنطن. وأفادت تقارير بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصل بالرئيس دونالد ترامب يوم الخميس طالبًا مساعدة الولايات المتحدة. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الرئيس وافق على شن ضربات عسكرية أمريكية على الحوثيين، لكنه تراجع عن الأمر بعد أيام. وقال وزير الخارجية ماركو روبيو في مقابلة يوم الثلاثاء إن لدى الولايات المتحدة «اتفاقًا دفاعيًا مع السعودية، ونعتزم الوفاء بالتزاماتنا بموجبه». لكنه لم يوضح كيف يمكن لإدارة ترامب أن تتدخل في النزاع المتصاعد.

يشرح ستيفن كوك، الزميل الأول في مجلس العلاقات الخارجية والخبير في شؤون الشرق الأوسط، تطورات الصراع مع الحوثيين، وما قد يفسر حسابات البيت الأبيض، وما يعنيه إحكام قبضة الحوثيين على مضيق باب المندب للاقتصاد العالمي، وما إذا كانت إيران توجه استراتيجية الحوثيين.

كيف تصاعد الصراع بين الحوثيين والسعودية؟

خاض السعوديون والحوثيون مواجهات متقطعة منذ فترة. ووقعت اشتباكات بين الطرفين عام 2009. أما المواجهة الأحدث فتعود إلى سبتمبر 2014، حين سيطر الحوثيون على صنعاء وانتزعوها من الحكومة اليمنية. وبعد نحو ستة أشهر، تدخلت السعودية مباشرة في الحرب الأهلية اليمنية. واستمر تدخلها سبع سنوات وانتهى من دون حسم. ثم سعت السعودية إلى إنهاء الصراع في اليمن عبر التفاوض، لكنها لم تحرز تقدمًا يُذكر رغم سنوات من المحادثات.

في 13 يوليو، استهدفت السعودية وحلفاؤها في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط. وكانت رحلة شركة «ماهان إير» تقل وفدًا حوثيًا عائدًا من جنازة آية الله خامنئي. ويُعتقد أن على متن الطائرة أيضًا مجموعة من مستشاري الحرس الثوري الإيراني ومعدات مخصصة للقوات الحوثية، في انتهاك لعقوبات الأمم المتحدة. وهبطت الطائرة في نهاية المطاف في الحديدة. وقد منح الهجوم الحوثيين مبررًا جديدًا لشن هجوم في اليمن، أعقبوه لاحقًا بالهجوم على الرياض. وبعث الهجومان رسالة واضحة بشأن قدرات الحوثيين ومواطن الضعف السعودية. وحتى الآن، لم تجد السعودية سوى حلول قليلة لوقف استمرار الهجمات الحوثية على مدنها وبنيتها التحتية للطاقة.

وفي هذه الأثناء، لا يغيّر من الأمر إعلان الحوثيين أنهم لن يستهدفوا السفن الأمريكية. فقد اكتسبوا موقعًا استراتيجيًا على امتداد مضيق باب المندب، وأحدثوا في البحر الأحمر قدرًا من عدم الاستقرار دفع شركات الشحن التجاري، التي باتت تتحمل تكاليف تأمين أعلى، إلى تحويل مسار سفنها بعيدًا عن البحر الأحمر. ولهذا تداعيات سلبية على سلاسل الإمداد وتدفق موارد الطاقة والاقتصاد المصري، الذي يعتمد جزئيًا على عائدات رسوم قناة السويس، فضلًا عن البيئة.

حسابات ترامب.. هل يدعم السعودية بضربات عسكرية؟

بعد سبعة أشهر من الحرب، تبرز تساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة على خوض حملة طويلة الأمد ضد الحوثيين، والعودة إلى القتال ضد إيران إذا اقتضت الضرورة، والاستعداد لتطورات طارئة في مناطق أخرى من العالم، ولا سيما شرق آسيا. وقد استهلكت الولايات المتحدة كمية كبيرة من الذخائر في مواجهة الحوثيين خلال ربيع 2025، من دون أن تحقق نتائج تُذكر. ويُعتقد الآن أن مخزون الولايات المتحدة آخذ في النفاد من أسلحة أساسية، مثل صواريخ الاعتراض «باتريوت» وصواريخ «ثاد» وصواريخ كروز.

وفي الوقت نفسه، تُعد السعودية شريكًا مهمًا للولايات المتحدة، كما أن حرية الملاحة مصلحة أمريكية أساسية على مستوى العالم. وسيكون لامتناع واشنطن عن مساعدة الرياض، مقترنًا بعجز الولايات المتحدة عن ضمان سلامة الملاحة التجارية العالمية، أثر كبير في مكانتها الدولية. فالحلفاء والشركاء، من أوروبا إلى الشرق الأوسط، يشككون بالفعل في مدى موثوقية الولايات المتحدة. ومن المؤكد أن تجاهل طلب المساعدة المباشر من زعيم دولة صديقة تخشى على أمنها سيترك انطباعًا لدى الأصدقاء والخصوم على حد سواء.

لكن أي تحرك عسكري أمريكي سيتطلب عملية برية واسعة ومنسقة لإخراج الحوثيين من المناطق التي يسيطرون منها على مضيق باب المندب. وهذا تحدٍّ كبير في ظل ضعف القوات الحكومية اليمنية وتردد السعودية في الزج بقواتها في القتال. وقد أظهرت الحملات الجوية ضد الحوثيين وإيران محدودية هذا النوع من الحرب. فإذا أراد ترامب والسعوديون حل مشكلة الحوثيين، فسيتطلب ذلك ما هو أكثر بكثير من الضربات الجوية.

إلى أي مدى توجه إيران الاستراتيجية العسكرية للحوثيين؟

من المهم الإشارة إلى أن الصراع بين الحوثيين والسعوديين منفصل عن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، مع وجود تنسيق واضح منذ زمن بين الحوثيين وإيران.

وضع قاسم سليماني، الذي قاد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني حتى مقتله في ضربة جوية أمريكية مطلع عام 2020، استراتيجية زودت إيران بموجبها أعضاء ما يُسمى محور المقاومة بالأسلحة، إلى جانب وسائل إنتاج أسلحتهم بأنفسهم. ورأى سليماني أن إضعاف أحد أعضاء المحور أو القضاء عليه لن يمنع الآخرين من مواصلة القتال. ومع ذلك، لم يكن الحوثيون يومًا وكيلًا لإيران بالمعنى نفسه الذي ينطبق على حزب الله اللبناني، الذي يُعد فعليًا جزءًا من الحرس الثوري الإيراني. وقد تصرف الحوثيون، ويمكنهم أن يتصرفوا، باستقلال عن إيران.

ومع ذلك، فإن قدرة الحوثيين على السيطرة على مضيق باب المندب أو تهديده تخدم مصلحة إيران. فهي تزيد الضغط على الاقتصاد العالمي وتمنح طهران أوراقًا إضافية في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من الصلة الاستراتيجية الظاهرة بين مضيق هرمز ومضيق باب المندب، فمن الممكن أن تتوصل الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران بشأن الأول، فيما يظل الحوثيون قادرين على تهديد الثاني.