إسرائيليات ماذا بعد؟ كيف يرى الإسرائيليون مستقبلهم؟ منشور في 17 أكتوبر، 2026 إسرائيل بين أمن مضطرب، وانقسام داخلي، وانتخابات لا تحسم الأزمة مقدمة تكشف التغطيات الصحفية الإسرائيلية المنشورة منذ بداية 2026 وحتى وقت إعداد هذا التقرير أن الإسرائيليين لا ينظرون إلى مستقبل دولتهم من عدسة واحدة، ولا يتفقون على طبيعة الخطر الأكبر الذي يواجهها. فبينما يرى اليمين أن الخطر الأساسي خارجي، ويتمثل في إيران وحماس وحزب الله وتآكل الردع، يرى قطاع واسع من المعارضة والمجتمع المدني أن الخطر الأخطر أصبح داخليًا، وتحديدًا تآكل الديمقراطية، وغياب المساءلة عن إخفاقات 7 أكتوبر، والانقسام بين المتدينين والعلمانيين، وبين اليهود والعرب، وبين مؤيدي نتنياهو وخصومه. وتكشف استطلاعات الرأي والتحليلات ومقالات الرأي الإسرائيلية صورة مركبة؛ فثمة شعور متزايد بالقوة العسكرية والقدرة على الصمود، لكنه يترافق مع خوف من حرب طويلة، وصراع أهلي، وهجرة الكفاءات، وفقدان الدعم الأمريكي والأوروبي، وزيادة عزلة إسرائيل وتراجع قدرتها على حماية نموذجها الاقتصادي والاجتماعي. ليست إسرائيل، وفق هذه التغطية، دولة تتجه إلى الانهيار الوشيك، لكنها دولة فقدت اليقين الذي حكم تصورها لمستقبلها طوال عقود. والتغطيات الصحفية الإسرائيلية لا تسأل فقط كيف تنتصر في الحرب، بل أي دولة ستبقى بعد الحرب. الإسرائيليون يخشون الحرب الأهلية أكثر من الهزيمة الخارجية الصراع الداخلي يتقدم قائمة التهديدات في استطلاع نشره الموقع الإلكتروني لصحيفة يديعوت أحرونوت في يوليو، تصدر احتمال اندلاع صراع عنيف بين الجماعات داخل المجتمع الإسرائيلي قائمة التهديدات التي يرى الإسرائيليون أنها قد تواجه البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة. اختار هذا الاحتمال 39% من المشاركين، وهي النسبة نفسها التي اختارت احتمال امتلاك إيران سلاحًا نوويًا. وجاء احتمال تعرض الجبهة الداخلية لهجوم صاروخي واسع في المرتبة التالية، بنسبة 35%، بينما رأى 31% أن تآكل الطابع الديمقراطي لإسرائيل يمثل تهديدًا رئيسًا. كما ارتفعت نسبة من يرون احتمال فقدان الدعم الأمريكي من 13% في فبراير إلى 26% في يوليو. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن المجتمع الإسرائيلي لا يرى الصراع الداخلي مجرد خلاف سياسي قابل للإدارة. إذ رأى 69% أن العنف بين الجماعات سيكون السيناريو الأكثر تدميرًا، وقال 64% إن استعداد الدولة لمواجهته منخفض أو منخفض جدًا. وجاء تآكل الديمقراطية في المرتبة الثانية من حيث حجم الضرر المحتمل، بنسبة 68%. المغزى أن الإسرائيليين لا يخشون فقط أن تفشل الدولة في صد أعدائها، بل يخشون أن تنجح في الحرب الخارجية بينما تفشل في الحفاظ على تماسكها الداخلي. من أزمة سياسية إلى أزمة ثقة لا ينحصر الانقسام في الخلاف على سياسات الحكومة، بل يشمل الثقة في مؤسسات الدولة وقدرتها على تمثيل المجتمع كله. إذ أظهرت استطلاعات «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» أن نسبة محدودة فقط ترى وجود حزب سياسي يمثل مواقفها تمثيلًا كاملًا، بينما يرى أكثر من ثلث الإسرائيليين أن لا حزبًا يعبر عنهم بصورة حقيقية. وهذا الفراغ التمثيلي يفسر جزئيًا صعود أحزاب وشخصيات جديدة، وتراجع الولاءات الحزبية التقليدية، وتحول الانتخابات المقبلة إلى استفتاء على طبيعة الدولة أكثر من كونها منافسة عادية بين برامج سياسية. الانتخابات المقبلة لا تبدو قادرة على إنهاء الأزمة نتنياهو وإيزنكوت والانقسام المفتوح مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر، أظهرت استطلاعات عدة أن معسكري نتنياهو والمعارضة يقتربان من التعادل، دون امتلاك أي منهما طريقًا واضحًا إلى أغلبية مستقرة. وأظهر أحد استطلاعات «تايمز أوف إسرائيل» تقدم حزب «يشار» بزعامة غادي آيزنكوت على الليكود، مع حصول المعسكر المعارض على 54 مقعدًا مقابل 49 لمعسكر نتنياهو، بينما تذهب المقاعد المتبقية إلى أحزاب عربية وقوائم غير محسوبة بوضوح على أي من المعسكرين. لكن الصحيفة حذرت من أن الانتخابات قد لا تنتج حسمًا سياسيًا، بل دورة جديدة من المفاوضات والابتزاز المتبادل وتشكيل ائتلاف هش. ووصفت «تايمز أوف إسرائيل» النتيجة الأكثر احتمالًا بأنها مزيد من عدم اليقين، لأن كلا المعسكرين يعاني انقسامات داخلية ولا يملك قاعدة كافية للحكم منفردًا. لماذا يظل نتنياهو قادرًا على المنافسة؟ تساءلت «هآرتس» في تحليل نشرته في 15 أكتوبر عما وراء استمرار قدرة نتنياهو على جذب الأصوات رغم تراجع معسكره في بعض الاستطلاعات. وتفسر الصحيفة ذلك بأن الانتخابات لا تدور حول تقييم أداء الحكومة فقط، بل حول الخوف من البديل أيضًا. فالناخب اليميني قد يكون غير راضٍ عن الإدارة الحكومية، لكنه يخشى أن تؤدي إزاحة نتنياهو إلى حكومة أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات أو إنهاء الحرب بشروط لا يراها آمنة. وفي المقابل، يرى خصومه أن بقاءه يعني استمرار أزمة المساءلة، وتعميق العزلة الدولية، وربط مستقبل الدولة بمصالح ائتلاف يعتمد على اليمين الديني والقومي المتشدد. 7 أكتوبر لا يزال حاضرًا في التصويت أظهر استطلاع «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» أن نحو 62% من الإسرائيليين يرون أن هجوم 7 أكتوبر سيكون عاملًا مركزيًا أو مهمًا إلى حد ما في قرارهم الانتخابي. وتزداد أهمية الحدث لدى الناخبين اليهود مقارنة بالعرب. ويكشف ذلك أن الانتخابات المقبلة لن تكون انتخابًا على المستقبل وحده، بل محاكمة سياسية للماضي. فالمعارضة تربط 7 أكتوبر بإخفاقات الحكومة والأجهزة الأمنية، بينما يركز نتنياهو على ما يعتبره إنجازات عسكرية لاحقة وعلى ضرورة عدم تغيير القيادة في زمن التهديدات. المساءلة عن 7 أكتوبر أصبحت جزءًا من معركة المستقبل أغلبية تريد لجنة تحقيق رسمية أظهر استطلاع حديث نشرته «تايمز أوف إسرائيل» أن 71% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون تشكيل لجنة تحقيق رسمية رفيعة المستوى في إخفاقات 7 أكتوبر. كما أيد 72% سن قانون يفرض التجنيد المتساوي، بما يشمل اليهود الحريديم. ويعني ذلك أن قطاعات واسعة من الجمهور لا ترى أن تحقيق الانتصارات العسكرية اللاحقة يمكن أن يلغي الحاجة إلى المساءلة. كما أن قضية التجنيد لم تعد مسألة قانونية أو دينية فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بعدالة توزيع كلفة الحرب بين فئات المجتمع. الجيش كمؤسسة جامعة ومحل نزاع في الوقت نفسه لا يزال الجيش يمثل إحدى المؤسسات القليلة التي تحظى بمكانة واسعة داخل المجتمع اليهودي، لكنه أصبح أيضًا ساحة للصراع حول المسؤولية والامتيازات والهوية الوطنية. ويشعر جنود الاحتياط، خصوصًا من خدموا فترات طويلة، بأنهم يتحملون عبئًا متزايدًا في الوقت الذي تستمر فيه إعفاءات الحريديم. وفي المقابل، ترى الأحزاب الدينية أن فرض التجنيد الإجباري يهدد نمط حياتها ومكانتها السياسية. ومن هنا فإن قضية التجنيد قد تتحول إلى نقطة انفجار دستورية وسياسية. فإذا فشلت الدولة في التوصل إلى صيغة مقبولة، فقد لا يقتصر الضرر على العلاقة بين الجيش والحريديم، بل يمتد إلى شرعية الحكومة وإلى شعور المواطنين بالمساواة. مستقبل إسرائيل الدستوري يثير قلقًا متزايدًا الخوف من التأثير في الانتخابات في أغسطس، أظهر استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن 72% من اليهود الإسرائيليين و58.5% من العرب يرون خطرًا على نزاهة الانتخابات المقبلة أو يعتقدون أن هناك احتمالًا لمحاولات التأثير فيها بوسائل غير مشروعة. وكان القلق أكبر بكثير لدى اليسار، إذ بلغ 90.5%، مقابل 76% في الوسط و66% في اليمين. ويكشف ذلك أن الخوف من التلاعب بالعملية الانتخابية لا يقتصر على معسكر سياسي واحد، حتى لو اختلفت مصادر الخطر التي يتصورها كل معسكر. الديمقراطية بين الأمن والسلطة التنفيذية تتناول مقالات الرأي الإسرائيلية مستقبل الديمقراطية من زاويتين متعارضتين. يرى اليمين أن القيود القضائية والاحتجاجات والضغوط الدولية تعرقل قدرة الحكومة على حماية البلاد، بينما يرى المعسكر الليبرالي أن استدعاء الأمن لتبرير إضعاف القضاء والرقابة البرلمانية سيؤدي إلى تغيير طبيعة النظام السياسي. وفي يونيو، أظهر استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن 61% من الإسرائيليين يرون أن نتنياهو لا ينبغي أن يترشح في الانتخابات المقبلة، وأيدت النسبة نفسها تقريبًا وضع حد أقصى لولاية رئيس الحكومة. وكانت النسبة أعلى بين اليهود من خارج اليمين الصلب، ومرتفعة بصورة أكبر بين العرب. لا تعني هذه الأرقام أن أغلبية مستقرة تشكلت حول بديل سياسي واحد، لكنها تعكس رغبة متزايدة في منع تركيز السلطة في يد زعيم واحد لفترات طويلة. الانقسام بين اليهود والعرب يهدد تعريف الدولة لنفسها رؤية مختلفة للمستقبل تكشف استطلاعات 2026 عن فجوة واسعة بين اليهود والعرب الإسرائيليين في تقييم مستقبل الدولة. ففي مؤشر التفاؤل الذي نشرته «تايمز أوف إسرائيل»، قال 43% من اليهود إن إسرائيل تتحسن وستواصل التحسن، بينما لم تتجاوز النسبة 5% بين العرب الإسرائيليين. وفي المقابل، رأى 54% من العرب أن إسرائيل تتراجع وستواصل التراجع، مقارنة بنسبة أقل كثيرًا بين اليهود. ولا تعكس الفجوة اختلافًا في التوقعات الاقتصادية فحسب، بل اختلافًا في الإحساس بالانتماء والأمان السياسي. فقد أظهر مقياس جامعة القدس العبرية أن 48% من اليهود قالوا إن هويتهم الإسرائيلية أصبحت أقوى خلال السنوات الأخيرة، بينما قال 37% من العرب إن إحساسهم بالهوية الإسرائيلية أصبح أضعف، مقابل 18% فقط رأوا أنه أصبح أقوى. الدولة اليهودية أم الدولة المدنية؟ تتزايد صعوبة الحفاظ على صيغة سياسية تجمع بين دولة يهودية، وديمقراطية، ومجتمع عربي كبير يشعر بالتهميش أو بالريبة من مؤسسات الدولة. ويظهر هذا التوتر في قضايا المواطنة، والتمثيل السياسي، والحقوق المدنية، والعنف الداخلي، وتوزيع الموارد. إذا استمر هذا التباعد، فقد تصبح إسرائيل أكثر تماسكًا داخل المجتمع اليهودي وأكثر هشاشة بوصفها دولة لجميع مواطنيها. وهذا يفتح سؤالًا لا تحسمه القوة العسكرية: هل تستطيع الدولة بناء هوية مدنية مشتركة، أم ستتجه إلى مزيد من الفصل السياسي والاجتماعي؟ إسرائيل ترى نفسها أكثر شرق أوسطية وأقل أوروبية تحوّل في الإحساس بالمكان أظهر «مؤشر المنتدى الأوروبي في الجامعة العبرية» أن الإسرائيليين اليهود باتوا يشعرون بأنهم أكثر ارتباطًا بالشرق الأوسط وأقل اتصالًا بأوروبا. كما ازداد تشككهم في المؤسسات السياسية الأوروبية، وتراجعت ثقتهم في أن أوروبا تنظر إلى أمن اليهود وإسرائيل من زاوية تفهم مخاوفها. ووفق المؤشر، قال 48% من اليهود الإسرائيليين إن هويتهم الإسرائيلية أصبحت أقوى، بينما لم يرَ ذلك سوى 10% قالوا إنها ضعفت. لكن هذا التماسك الهوياتي جاء بالتزامن مع اتساع الفجوة بينهم وبين الأوروبيين بشأن الأمن والانتماء السياسي. من دولة غربية في الشرق الأوسط إلى قوة شرق أوسطية منعزلة كان جزء من المشروع الإسرائيلي التاريخي قائمًا على تقديم إسرائيل باعتبارها دولة غربية حديثة في منطقة مضطربة. إلا أن الحرب والعزلة الدبلوماسية وتصاعد الانتقادات الأوروبية دفعت قطاعات من الإسرائيليين إلى إعادة تعريف موقعهم. وقد يعني هذا التحول أمرين متعارضين: قبول إسرائيل بأن مستقبلها مرتبط بإدارة علاقاتها مع جيرانها وقوى المنطقة، لا بالاعتماد على أوروبا والولايات المتحدة وحدهما. أو ازدياد شعورها بأنها محاصرة، بما يؤدي إلى مزيد من القومية والشك في الخارج والتعبئة الأمنية في الداخل. حتى الآن، يبدو أن الاتجاهين موجودان معًا. فالإسرائيليون يشعرون بارتباط أقوى بالدولة، لكنهم لا يشعرون بالضرورة بأن دولتهم أكثر اندماجًا في العالم. حل الدولتين فقد مكانته في المخيال الإسرائيلي أغلبية لا ترى طريقًا للتعايش أظهر استطلاع لمركز بيو، نشرته «تايمز أوف إسرائيل»، أن 56% من الإسرائيليين لا يعتقدون بإمكان التعايش السلمي بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة، مقابل 17% فقط يرون أن هذا المسار ممكن. وبين اليهود الإسرائيليين، لم تتجاوز نسبة من يرون إمكان قيام دولتين متعايشتين 16%، بينما قال 64% إن ذلك غير ممكن. أما بين العرب الإسرائيليين، فكانت نسبة المؤيدين لإمكان التعايش أعلى، مع نسبة كبيرة لم تحدد موقفها. هذه النتائج لا تعني أن الجمهور الإسرائيلي تبنى بديلًا سياسيًا واضحًا. فرفض حل الدولتين لا يقود تلقائيًا إلى قبول حل الدولة الواحدة، ولا يحدد طبيعة السيطرة على الأراضي الفلسطينية أو الوضع القانوني للسكان الفلسطينيين. لكنها تكشف أن جزءًا كبيرًا من الإسرائيليين بات يرى الصراع بوصفه مشكلة أمنية لا سياسية، وأن الثقة بإمكان التوصل إلى تسوية تراجعت إلى أدنى مستوياتها. ما بعد الحرب: إدارة الصراع بدل حله تظهر في الخطاب الإسرائيلي عدة تصورات للمستقبل: استمرار السيطرة الأمنية والعسكرية على المناطق الفلسطينية. إقامة ترتيبات إقليمية محدودة دون اتفاق سياسي شامل. إدارة غزة عبر صيغة دولية أو عربية مشروطة بنزع سلاح حماس. ضم أجزاء من الضفة الغربية أو توسيع الاستيطان. تسوية مرحلية لا تصل إلى دولة فلسطينية كاملة. ولا يحظى أي من هذه التصورات بإجماع داخلي. لذلك يبدو أن إسرائيل قد تتجه إلى استمرار إدارة الصراع، حتى مع إدراك قطاعات واسعة أن هذا الخيار لا يلغي المشكلة بل يؤجل انفجارها. الاقتصاد قوي لكنه ليس محصنًا التكنولوجيا بين المرونة والهجرة لا تزال إسرائيل ترى في قطاع التكنولوجيا أحد أعمدة قدرتها على الصمود. لكن التغطية الاقتصادية الإسرائيلية أشارت إلى أن الحرب والهجرة والاضطراب السياسي يضغطون على قاعدة الكفاءات التي يقوم عليها القطاع. وذكر موقع يديعوت أحرونوت أن 35% من شركات التكنولوجيا أبلغت عن عمليات تسريح خلال الأشهر الستة السابقة، في سياق تحول تقني يجعل عددًا أقل من الموظفين قادرًا على إنجاز كمية أكبر من العمل. وطرحت المادة سؤالًا عن مستقبل العامل الإسرائيلي المتوسط في اقتصاد تتسارع فيه الأتمتة والذكاء الاصطناعي. وفي قطاع علوم الحياة، أظهر تقرير نشرته يديعوت أحرونوت أيضًا أن الاستثمارات الخاصة في إسرائيل تراجعت بقوة خلال 2025، مع انخفاض الاستثمار في التكنولوجيا الطبية والأجهزة الطبية. ومع أن التقرير يتعلق ببيانات العام السابق، فقد استُخدم داخل النقاش الإسرائيلي بوصفه مؤشرًا على هشاشة بعض القطاعات أمام الحرب وتراجع الثقة. هجرة الكفاءات نشرت «هآرتس» في سبتمبر تقريرًا عن مغادرة نحو 210 آلاف إسرائيلي البلاد منذ تشكيل الحكومة الحالية، بحثًا عن مستقبل أفضل وتعليم أكثر استقرارًا وبيئة سياسية أقل توترًا. ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المغادرين هاجروا نهائيًا، لكنها تعكس حجم النقاش الداخلي حول الهجرة والقدرة على الاحتفاظ بالكفاءات. وتناولت «غلوبس» المشكلة من زاوية سوق العمل، مشيرة إلى أن ارتفاع متوسط الأجور لا يعكس بالضرورة تحسنًا عامًا في أحوال الإسرائيليين، لأن الزيادة تتركز في قطاعات محددة، فيما تتراجع مشاركة فئات أخرى في سوق العمل. المشكلة الاستراتيجية أن إسرائيل تحتاج إلى عودة الحياة الطبيعية كي تحافظ على اقتصادها، لكنها لا تستطيع ضمان هذه العودة ما دامت الحرب والتعبئة العسكرية والانقسام السياسي مستمرة. الأمن الإسرائيلي يزداد قوة ويزداد قلقًا في آن واحد التهديد الإيراني لا يختفي أظهر مسح الأمن القومي لمعهد دراسات الأمن القومي في يناير أن 62.5% من الجمهور الإسرائيلي يعتقدون أن إسرائيل ستضطر إلى تجديد القتال ضد إيران خلال ستة أشهر. ويكشف الرقم أن جزءًا كبيرًا من الجمهور لا يرى المواجهة الإيرانية حدثًا استثنائيًا انتهى، بل مسارًا قابلًا للتجدد. وفي يوليو، احتل احتمال حصول إيران على سلاح نووي المرتبة الأولى أو المشتركة في قائمة التهديدات، إلى جانب الخوف من الصراع الداخلي. كما رأى 43% أن حصول إيران على سلاح نووي احتمال مرتفع، مقارنة بنسبة أقل في بداية العام. الانتصار العسكري لا ينتج طمأنينة سياسية نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في أكتوبر دراسة عن مفهوم الأمن الإسرائيلي الجديد، خلصت إلى أن إسرائيل تعيد صياغة تصورها للأمن بعد 7 أكتوبر، بحيث لا يكفي الاعتماد على الردع أو التفوق العسكري أو الإنذار المبكر. وتشير الدراسة إلى أن إسرائيل ألحقت ضررًا بقدرتها على استخدام القوة الناعمة، وحشد الدعم الدولي، والاستفادة من التفوق الأمني بوصفه مصدرًا للشرعية. وهذا هو التناقض الأساسي في الرؤية الإسرائيلية الحالية: يشعر الإسرائيليون أن جيشهم أكثر قدرة على الضرب، لكنهم أقل ثقة في قدرة الدولة على منع الحرب، وحماية المدنيين، والحفاظ على الدعم الدولي، وبناء نهاية سياسية للصراع. ماذا يريد الإسرائيليون من المستقبل؟ رغم التباينات، تكشف التغطيات الإسرائيلية عن مجموعة مطالب مشتركة نسبيًا: دولة أكثر أمنًا يريد الإسرائيليون تقليل احتمال تعرض المدن والمنشآت لهجمات واسعة، لكنهم يختلفون حول الطريق: هل يتحقق الأمن بالحرب المفتوحة، أم بتسويات إقليمية، أم بالسيطرة الدائمة على الأراضي الفلسطينية؟ حكومة أكثر قدرة على المساءلة حتى داخل التيار اليميني، لا يختفي مطلب التحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، وإن اختلفت حدود المسؤولية. ويبدو أن السؤال لم يعد هل تجري المساءلة، بل من يملك حق تحديد شكلها وتوقيتها. توزيع أكثر عدلًا لكلفة الحرب قضية تجنيد الحريديم أصبحت رمزًا لأزمة أوسع تتعلق بمن يدفع ثمن بقاء الدولة ومن يستفيد من حمايتها دون مشاركة متساوية في الدفاع عنها. اقتصاد يحتفظ بالكفاءات تحتاج إسرائيل إلى وقف نزيف الكفاءات، وجذب الاستثمار، وحماية التكنولوجيا، وإعادة بناء ثقة الأسواق. لكن ذلك يتطلب استقرارًا سياسيًا وأمنيًا لا يبدو متاحًا بسهولة. علاقة أقل توترًا مع العالم يعرف الإسرائيليون أن استمرار الحرب والسياسات المرتبطة بغزة والضفة يضعف الدعم الأوروبي والأمريكي. لكن الاعتراف بهذه الكلفة لا يعني وجود توافق على تقديم تنازلات للفلسطينيين. هوية وطنية قابلة للحياة تحتاج إسرائيل إلى صيغة تحدد العلاقة بين اليهود والعرب، والدين والدولة، والجيش والسياسة، والسلطة القضائية والائتلاف الحكومي. وكلما تأجلت هذه الأسئلة، زاد خطر تحول الخلافات إلى صراع وجودي داخل المجتمع. الخلاصة: شكوك تخيم على مستقبل إسرائيل سياسيًا واجتماعيًا تظهر إسرائيل في الصحافة الإسرائيلية خلال 2026 دولة قوية عسكريًا لكنها أقل ثقة بمستقبلها السياسي والاجتماعي. فالخطر الإيراني حاضر، والحرب مع الفلسطينيين لم تنته، وحزب الله لا يزال جزءًا من الحسابات، لكن الخوف من الانقسام الداخلي ينافس الخوف من العدو الخارجي. يرى اليمين أن إسرائيل تحتاج إلى مزيد من القوة والردع والهوية اليهودية الصلبة، وأن التنازلات ستنتج تهديدات جديدة. ويرى خصومه أن هذا المسار سيحول الدولة إلى «إسبرطة» معزولة، تخسر أفضل كفاءاتها ودعمها الدولي وتضعف ديمقراطيتها باسم الأمن. أما المركز السياسي، الذي قد يكون الأوسع اجتماعيًا لكنه الأقل تنظيمًا، فيبحث عن مخرج يجمع بين الأمن والمساءلة، وبين الحفاظ على الطابع اليهودي والديمقراطي، وبين استعادة العلاقات الدولية دون العودة إلى أوهام ما قبل 7 أكتوبر. السؤال الذي يطارد الإسرائيليين ليس فقط: هل ستبقى إسرائيل؟ بل: أي إسرائيل ستبقى؟ هل ستكون دولة أمنية أكثر انغلاقًا، تعتمد على القوة وتتعامل مع العالم من وراء الأسوار وتحت الحصار؟ أم دولة تعيد بناء مؤسساتها، وتراجع علاقتها بالحرب، وتبحث عن تسوية إقليمية تسمح لها بالعودة إلى الاقتصاد والمجتمع والحياة الطبيعية؟ حتى 17 أكتوبر، لا يبدو أن المجتمع الإسرائيلي حسم الإجابة. لكنه بدأ يدرك أن استمرار الوضع الحالي ليس حيادًا، بل اختيار له كلفة متزايدة.